مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

قهوة الصباح

إنذار على يد " كاتب " 


لم تعد الشائعة في عصرنا تُلقى عارية كما كانت من قبل، بل صارت ترتدي بدلة أنيقة من الأرقام، وتتعطر برسوم بيانية جذابة، وتُقدَّم على أنها “حقيقة علمية” لا تقبل الجدل. نحن أمام تطور خطير في أدوات تزييف الوعي، حيث تحولت الإحصاءات من وسيلة للفهم إلى وسيلة للخداع، ومن أداة للمعرفة إلى سلاح لبث الفوضى.

طريقة جديدة، ذكية وخبيثة، لسرعة نشر الشائعات السوداء: تغليفها بأغلفة إحصائية تبدو محايدة وعلمية، بينما هي في حقيقتها “هاند ميد” مصنوعة في غرف مظلمة، بلا منهج ولا عينة ولا مرجعية. تجد من يتجرأ ضاربًا بكل المعايير العلمية والأخلاقية عرض الحائط، ويطلق أرقامًا وإحصاءات تدعم بضاعته المسمومة، التي يسوقها لتحقيق أهداف متعددة؛ قد تكون مدفوعة الأجر لحساب جهات بعينها، أو بحثًا عن شهرة زائفة، أو رغبة في التحول إلى “خبير” بين ليلة وضحاها.

تابعنا جميعًا هذا السيل من الإحصاءات المضروبة في قضايا المجتمع الكبرى: نسب الأمية، التسرب من التعليم، الطلاق، الإدمان، التطرف، أطفال الشوارع، وحتى أعداد المنتمين إلى تيارات فكرية أو دينية محددة. ثم انتقلت العدوى إلى الاقتصاد، حيث تُطرح أرقام عن الديون، والإفلاس، والتهرب الضريبي، وسرقات الكهرباء، وكفاءة العامل المصري، وكأن قائلها يملك مفاتيح الحقيقة المطلقة.

والأخطر من ذلك، تلك الإحصاءات التي تتسلل إلى المناطق الأكثر حساسية في المجتمع، فتتحدث عن الجرائم الأخلاقية، والعلاقات الأسرية، بل وتمتد إلى غرف النوم، في محاولة مكشوفة لتشويه صورة المجتمع وضرب ثقته بنفسه. هذه القضايا موجودة في كل المجتمعات، نعم، لكن تضخيمها بأرقام مختلقة، وتقديمها في صورة “دراسات علمية”، هو جريمة كاملة الأركان.

لقد رأينا وسمعنا وقرأنا هذه الفوضى في كل مكان: على الشاشات، في المقالات، على منصات التواصل الاجتماعي. مذيعون ومذيعات بلا تأهيل علمي كافٍ، يطلقون أرقامًا ويقسمون أنهم قرأوها “في مكان ما”، لا يتذكرونه الآن! وكأن القسم الشخصي أصبح بديلاً عن المنهج العلمي، وكأن الثقة تُبنى على النبرة لا على الدليل.

السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: من المسؤول عن هذه الفوضى؟ ومن يملك حق محاسبة من يختلق الأرقام ويضلل الرأي العام؟ وهل يجوز لأي شخص أن يطلق تصريحًا مدعومًا بإحصاءات كاذبة دون أن يواجه حسابًا أو عقابًا؟

في الأصل، للإحصاء مؤسسات واضحة ومسؤولة، في مقدمتها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والبنك المركزي فيما يخص البيانات الاقتصادية. هذه الجهات لا تتحدث بالأهواء، بل وفق منهجيات دقيقة، ومعايير معترف بها دوليًا. أما الدراسات واستطلاعات الرأي، فعلى أهميتها، فهي تظل أدوات تحتاج إلى تدقيق علمي صارم قبل الترويج لها، لأن الخطأ فيها قد يتحول إلى كارثة عامة.

إن الضرر الناتج عن هذه الإحصاءات المضروبة ليس نظريًا. الحديث غير المنضبط عن التحرش، مثلًا، قد يضرب قطاع السياحة في مقتل. والترويج لأرقام مبالغ فيها عن الرشوة قد يهز ثقة المستثمرين. أما العبث بالأرقام المتعلقة بالأسرة والعلاقات، فهو يضرب الإحساس بالأمان الاجتماعي، ويحول المجتمع إلى صورة مشوهة أقرب إلى الغابة.

لسنا ضد مناقشة القضايا، بل على العكس، نحن مع فتح كل الملفات، لكن بشرط أن يكون ذلك على أسس علمية، وبأدوات منهجية، وعلى أيدي متخصصين حقيقيين، لا هواة ولا باحثين عن تريند. لأن الكلمة حين تُدعم برقم كاذب، تصبح أكثر خطورة من الكلمة المجردة.

هذه الفوضى لن تتوقف بالنوايا الحسنة، بل تحتاج إلى ردع حقيقي. ردع قانوني واضح، يطال من يختلق الأرقام، ومن يروجها، ومن ينقلها، بل ومن يسمح ببثها على منصاته دون تدقيق. كما تحتاج إلى دور أكثر فاعلية من الهيئات التنظيمية، التي لا يجوز أن تقف موقف المتفرج أمام هذا العبث.

نحن أمام معركة وعي… إما أن ننتصر فيها بالعلم والانضباط، أو نتركها للفوضى فتقودنا إلى هاوية من الشك والارتباك. فالإحصاء، إذا لم يُحترم، يتحول من بوصلة ترشد المجتمع إلى أداة تضلله… وتلك هي الكارثة.